عماد الدين خليل

49

المستشرقون والسيرة النبوية

1 - النزعة الشكّيّة والافتراض والنّفي الكيفيّ 1 يبدو ( مونتغمري وات ) على مستوى تقنية البحث متفوّقا بمعنى الكلمة ، وهو يمتلك أداة البحث ومستلزماته ، ويعتمد أسلوبا نقديا مقارنا يثير الإعجاب ، وقد تمكّن بواسطته من تحقيق عدد من النتائج القيّمة على مستوى السيرة . وإن كان يلح أحيانا في نزعته النقديّة ، كما سنرى ، الأمر الذي قاده كما قاد عددا من رفاقه وأسلافه إلى تنفيذ عملية ( نفي ) واسع النطاق لمساحات من حقائق السيرة المتعارف عليها . أما في الدائرة الثانية ، دائرة ( الموضوعية ) التي قال الرجل بأنه سيلتزمها في بحثه فإنه لم يستطع أن يتحرّر بالكلّيّة من الضغوط المضادّة وعوامل الشدّ اللامنهجية ، على الرغم من أن ثمة ما يميزه في عصر المذهبية التاريخية ويحسب لصالحه ، إنه لا يفترض أو يعتنق ، رؤية محددة سلفا ، ويأتي إلى التاريخ لكي يعيد تركيبه وفق رؤيته تلك ، ويعالج وقائعه بما يجعلها تنسجم ، قسرا ، مع مقولات المذهب ، ويفصل ويقص ويمطّ الجزئيات التاريخيّة لكي تكون على ( قدّ ) القالب المصنوع سلفا . . وينتقي ويتقبّل كلّ ما يتناغم مع قناعاته هذه ، وما لا يكون كذلك يعزل ويستبعد . إن الرجل يعتمد منهجا مغايرا هو أقرب إلى الموضوعية . . إنه يسعى لأن يبدأ حركته مع الوقائع التاريخية ، دون أي افتراض مسبق ، ثم تجيء استنتاجاته وتنظيراته مستمدة مما تقوله الوقائع نفسها ، ومما تتمخض عنه مكوناتها الأساسية وعلاقاتها المتشابكة .